محمد العربي الخطابي
417
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
الحدث من الأطبّاء بهذه الأشياء تراهم يقولون : إن الدواء الحارّ في الأولى إذا خلط مع حارّ في الثالثة صيّره في الثانية ، ليت شعري فإذا خلطنا به البارد في الأولى إلى أيّ درجة يصيّره البارد ؟ فإن قالوا إلى المرتبة الثانية فقد صار الحارّ في الأولى والبارد في الأولى يصيّران الحارّ في الثانية إلى مرتبة واحدة ، وإن قالوا إنّ البارد في الأولى يصيّر الحارّ في الثالثة حارّا في الأولى فيصير البارد في الثانية الحارّ في الثالثة معتدلا ، وهذا كلّه تخبّط ، والذي أوقعهم أولا في هذا التخبّط إنما هو الرجل المعروف بالكندي « 16 » ، وذلك أنّ هذا الرجل كتب مقالة أراد فيها أن يتكلّم في القوانين التي بها يعرف طبيعة الدواء المركّب فخرج إلى التكلّم في صناعة العدد وصناعة الموسيقى على جهة ما يعرض لمن ينظر في الشيء النّظر الذي بالعرض ، وأتى هذا الرجل في ذلك الكتاب بهذيان وشناعات وجعل يقول : إنّ نسبة الدرجات الأربع من درجات الأدوية هي نسبة الأضعاف حتى تكون الدرجة الرابعة ستة عشر ضعفا ، وذلك أنه جعل الأولى ضعف المعتدل والثانية ضعف الأولى والثالثة ضعف الثانية والرابعة ضعف الثالثة ، فهل لا كفاه في ذلك أن يقول إن الثانية ضعف الأولى والثالثة ثلاثة أضعافها والرابعة أربعة أضعافها ، فإنّ هذا هو الذي قصد في ترتيبها لتكون مراتبها مستوية ، وذلك أنّهم أخذوا أول دواء تظهر منه على البدن حرارة محسوسة فجعلوه في الدّرجة الأولى ثم عمدوا إلى دواء بعده عن هذا بعد هذا عن المعتدل فجعلوه في الثانية . . . ثم عمدوا إلى دواء بعده عن الثانية بعد الثالثة عن الأولى فجعلوه في الثالثة فهذا فيه ثلاثة أضعاف الأول وكذلك في الرابعة . وأما على رأي الكندي فإنه يلزم أن يكونوا قد جعلوا المرتبة الثانية تزيد على الأولى ، فأي ضرورة ليت شعري كانت تدعو الأطبّاء إلى أن يتحفّظوا بهذه النسبة ؟ وعلى هذا فكانت تكون الأدوية التي في الدرجة الثالثة قاتلة فضلا عن الرابعة لأنّ الأدوية تخرج عن المعتدل ستّة عشر درجة فكيف حال الأبدان معها ؟ وأيضا فكان يكون بعد الدرجة الرابعة من الثالثة ليس بعد الثالثة من الوسط فكان يجب عليهم في مثل هذا الغرض أن يدرّج ، وكذلك فيما بين الثالثة والثانية ، فإنّه على هذا ليس تكون مراتب الدّرج متساوية ، وأيّ اختلال في هذه الصناعة أعظم من هذا الاختلال ، وذلك أن ما قصد له من أوّل الأمر من حفظ مراتب زيادة القوى بعضها على بعض كان يفوتنا ، وذلك أنّ
--> ( 16 ) أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي ( حوالي 260 ه / 873 م ) .